اللغة العربية: شمس الحضارة ولغة البيان
: مقدمة
يحتفل العالم في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام بـ "اليوم العالمي للغة العربية"، وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية كلغة رسمية سادسة في عام 1973. إن هذا الاحتفاء ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو اعتراف دولي بعظمة لغة قدمت للبشرية إرثاً علمياً وأدبياً لا ينضب، وكانت جسراً للتواصل بين الحضارات لقرون طويلة
: لغة القرآن والقدسية
تستمد اللغة العربية مكانتها الرفيعة لدى المليارات من البشر لكونها لغة القرآن الكريم. لقد اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون وعاءً لرسالته الخاتمة، كما قال في كتابه العزيز: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ". وبفضل القرآن، حفظت العربية قواعدها وتوسعت مفرداتها، وأصبحت لغة التعبد والروحانية للمسلمين في شتى بقاع الأرض، مما جعلها لغة "خالدة" لا تموت بموت قائلها
: عبقرية البيان وفصاحة اللسان
تتميز اللغة العربية بمرونتها واشتقاقاتها العجيبة التي تجعلها من أغنى لغات العالم. إن نظام "الجذور" في العربية يسمح بتوليد آلاف الكلمات من أصل واحد، مما يمنح المتحدث قدرة فائقة على التعبير عن أدق المشاعر والأفكار. وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
"تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة، وتثبت العقل"
: دور العربية في النهضة العلمية
في العصور الوسطى، كانت اللغة العربية هي لغة العلم والبحث الأولى في العالم. ففي بيت الحكمة ببغداد ومدارس قرطبة، دُونت أعظم الاكتشافات في الطب، والرياضيات، والفلك، والكيمياء. إن كلمات مثل "الجبر" و"الخوارزميات" و"الإنبيق" لا تزال شاهدة في اللغات العالمية على فضل العلماء العرب والمسلمين الذين كتبوا بالعربية ونقلوا مشعل الحضارة إلى أوروبا
: جمالية الخط العربي
لم تقف العربية عند حدود النطق، بل تجاوزتها إلى فن البصر عبر "الخط العربي". إن أنواع الخطوط مثل الثلث، والنسخ، والكوفي، والديواني، تعتبر سيمفونية بصرية تعكس روح الفن الإسلامي. هذا الجمال جعل من الحرف العربي زينة للمساجد والقصور واللوحات الفنية، وجذب قلوب غير العرب قبل عربهم
: العربية في العصر الحديث
اليوم، تعد اللغة العربية لغة حية نابضة بالحياة، يتحدث بها أكثر من 400 مليون نسمة، وهي لغة رسمية في 22 دولة. في ظل العولمة، تبرز أهمية العربية كضرورة اقتصادية وسياسية، حيث يسعى الكثيرون حول العالم لتعلمها لفهم الشرق الأوسط وبناء روابط تجارية وثقافية متينة
: خاتمة
إن الاحتفاء باللغة العربية هو احتفاء بالهوية والثقافة والقيم الإنسانية. هي لغة الماضي العريق، والحاضر المتجدد، والمستقبل الواعد. واجبنا اليوم ليس فقط التحدث بها، بل الحفاظ على سلامتها ونشرها بين الأجيال القادمة، لتبقى دائماً منارة للعلم والأدب
: كما قيل قديماً
"العربية لسان الضاد، وهي أجمل لغات الأرض بياناً"
